Tiny Url
http://tinyurl.com/y537gnha

الاقتصاد المنهار سبب خسارة أردوغان في الانتخابات

تخبرنا مسرحية ماكبث الشهيرة للكاتب وليام شكسبير أن الطموحات الجامحة تدفع صاحبها إلى الوقوع في الخطيئة. وربما تسرد لنا نتائج الانتخابات المحلية التي أجريت في تركيا في الحادي والثلاثين من مارس حكاية مشابهة عن الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه العدالة والتنمية.

بعد مرور ما يزيد عن أسبوع على الهزيمة التي مُني بيها حزب العدالة والتنمية في المدن الكبرى في تركيا، بما فيها إسطنبول وأنقرة، يجد الحزب الحاكم وإعلامه صعوبة بالغة في استيعاب حقيقة أن مكتب رئيس بلدية إسطنبول – نقطة انطلاق النهوض السياسي لأردوغان في تسعينات القرن العشرين – بات في يد حزب الشعب الجمهوري، حزب المعارضة الرئيسي في تركيا. فقد سيطرت الحركة الإسلامية في تركيا على إسطنبول على مدى ربع قرن من الزمان.

ما من شك أن فقدان إسطنبول يشكل خسارة هائلة لأردوغان، الذي طالما أشار إلى ما يسميها أيام مجده حين كان رئيسا لبلدية المدينة قبل أن يصبح رئيسا للوزراء في 2003.

صحيح أن فقدان مثل هذا المعقل قد يكون صعبا، إلا أنه إذا كان هناك عامل واحد لعب دورا رئيسيا في هزيمة حزب العدالة والتنمية فهو الاقتصاد حتما.

ومن ثم، فإن خيارات أردوغان في التعامل مع هذه الهزيمة الكبرى، الأولى له في حياته السياسية، ستحدد مدى قدرة تركيا على الصمود في وجه العاصفة الاقتصادية التي تمزج حاليا بين التضخم الذي بلغ نحو 20 في المئة والانكماش الاقتصادي، ذلك البلاء الذي يعرف باسم الركود التضخمي.

والمؤشرات لا تبشر بالخير. فقد طلب حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه أردوغان إعادة فرز جميع الأصوات الباطلة في إسطنبول بعدما أصبح واضحا أن إعادة الفرز الجزئية في نحو نصف مناطق المدينة البالغ عددها 39 منطقة لا يمكن أن تحول الهزيمة إلى نصر.

ويوم الاثنين، تعهد أردوغان بتغيير النتيجة مستندا في ذلك إلى طلب إعادة الفرز واللجوء القانوني إلى المجلس الأعلى للانتخابات واستخدام ممثلي الادعاء في معاقبة المشاركين فيما وصفه بالنشاط الإجرامي في صندوق الاقتراع. وقد أدى ذلك إلى هبوط الليرة التركية.

من المتوقع أيضا أن يجري أردوغان تعديلا وزاريا هذا الشهر، ليتخلص من الوزراء الذين لا يحظون بشعبية. وقد يكون من ضحايا هذا التعديل وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق، صهر أردوغان.

أمام أردوغان طريقان مختلفان يمكن أن يسلكهما، الأول قبول الواقع، والثاني استغلال سلطاته الواسعة في النيل من انتصار المعارضة أو خنق البلدية ماليا إذا فشل في تغيير النتيجة في إسطنبول، وكذلك بلدية أنقرة التي أصبحت في يد حزب الشعب الجمهوري أيضا.

جوهر هذه المسألة هو أن النظام الرئاسي الجديد الذي أطلقه أردوغان في شهر يونيو الماضي يقوم على توطيد السلطة. وبينما قال أردوغان إن النظام الجديد سيسرع وتيرة صنع القرار ويزيد من فاعليته، إلا أن هذا النظام أخفق في معالجة المشاكل الاقتصادية الملحة التي تواجهها تركيا.

علاوة على ذلك، تبدو الحكومة في حالة إنكار، إذ تحمّل القوى الأجنبية والمعارضة الداخلية مسؤولية المشاكل الاقتصادية في تركيا. ولعل الحكمة الجماعية، التي لا وجود لها على ما يبدو في الوقت الراهن، قد تساعد الإدارة في انتشال تركيا من الركود، مثلما كان الحال في أعقاب الأزمة الاقتصادية التي نشبت في العام 2001 وإبان الأزمات السياسية المتعددة التي شهدها العقد الأول من حكم أردوغان.

لكن هذه اللحظة الكاشفة، أو مثل هذا المنعطف، ستتطلب من أردوغان أن يتخذ خطوات واقعية ويقبل مشاركة آخرين له في السلطة. وفي حالة القيام بالتعديل الوزاري المزمع، سينبغي لأردوغان حينها أن يحجم عن تعيين وزراء أو سياسيين أو مستشارين يفتقرون إلى المؤهلات اللازمة للتعامل مع العلل الاقتصادية التي تعاني منها تركيا أو إحداث تغيير تشتد إليه الحاجة. وتلك مهة صعبة.

أما الطريق الثاني فسيكون عكس ذلك تماما. فبعد صدمة فقدان السيطرة على المدن الكبرى، التي تمثل أبقارا حلوبا تدر أموالا للحكومة وحلفائها في قطاع الأعمال، ربما يحاول أردوغان أن يضيق الخناق على رؤساء البلديات المنتمين لحزب الشعب الجمهوري، ليجعل من المستحيل عليهم تقديم خدمات لمواطنيهم. وهذه السيكولوجية ستدفعه نحو مزيد من توطيد السلطة، سواء بالتعديل الوزاري أو بدونه.

لقد كان أردوغان هو من قال إن من يسيطر على إسطنبول يسيطر على تركيا. وقبول الخسارة دون قتال لا يبدو متناسبا مع شخصيته السياسية.

أما إذا غلبت النزعة البراغماتية لأردوغان مجددا، فإنه سيتخلى أيضا عن رغبته التي يتعذر تفسيرها في شراء منظومة صواريخ إس-400 الروسية الصنع، التي قد تخرج تركيا من حلف شمال الأطلسي (ناتو) أو تتمخض عن جولة جديدة من العقوبات الاقتصادية الأميركية.

سيمتنع أردوغان أيضا حينذاك عن التدخل في الأعمال اليومية للمؤسسات الاقتصادية المستقلة مثل البنك المركزي. كما سيتخلى عن رفضه القاطع لخيار اللجوء إلى طلب المساعدة المالية من صندوق النقد الدولي لانتشال تركيا من الركود. وبطبيعة الحال سيعكس المسار الذي يسلكه وسيعيد إرساء الديمقراطية للجميع.

وقد وصف أردوغان مرشح حزب الشعب الجمهوري لرئاسة بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو بأنه "بطة عرجاء"، قائلا إنه وحزب العدالة والتنمية هما اللذان سيديران تركيا والبرلمان خلال السنوات الأربع القادمة، وليس المعارضة.

إن عملية إعادة فرز الأصوات الجارية حاليا وحالة الغضب التي تعتري حزب العدالة والتنمية من نتيجة الانتخابات تشيران إلى أن أردوغان وحاشيته سيجدون صعوبة في مواجهة الوقائع السياسية والاقتصادية. لكن مثل هذا النهج من شأنه أن يجعل الفترة الخالية من الانتخابات في تركيا، والتي تمتد حتى 2023، فترة عصيبة على غرار العامين الأخيرين. وحزمة الإصلاحات الاقتصادية الجديدة التي أعلن عنها البيرق هذا الأسبوع ستذهب هباء منثورا إذا آثر أردوغان طريق التوتر والمواجهة وعدم الواقعية.

يبدو أن التقلبات الاقتصادية والسياسية في تركيا ستستمر. وتبقى الانتخابات المبكرة احتمالا قائما، ربما قبل نهاية العام 2021، وقد يكون اللجوء الاضطراري لبرنامج صندوق النقد الدولي – إذا اشتدت الاضطرابات الاقتصادية – أمرا مرجحا، إلى جانب المزيد من المفاجآت السياسية السلبية. 

إن الإصلاحات الهيكلية التي تأخرت كثيرا لا يمكن أن تغير اتجاه السفينة الاقتصادية لتركيا إلا في المدى المتوسط والطويل. في الوقت نفسه، يمكن أن تؤدي مشكلة إعادة تمويل الديون الخارجية للقطاع الخاص في البلاد، والتي لم يتم حلها حتى الآن، إلى خروج الاقتصاد عن السيطرة.

في مثل هذه الأوقات الحرجة للبلاد، ينبغي للحكومة أن تستوعب الحقائق السياسية والاقتصادية سريعا، وتتصرف بناء عليها، وإلا فليربط الجميع أحزمة الأمان استعدادا لرحلة وعرة.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.