Tiny Url
http://tinyurl.com/y6757jbq

خسائر الليرة تشير لاضطرابات جديدة للاقتصاد التركي

تتصدر الليرة التركية مرة أخرى عملات اقتصادات الأسواق الناشئة التي تهاوت الأسبوع الماضي، حيث سجلت خسائر تتجاوز 4 بالمئة في يوم الجمعة وحده.
وتؤثر على العملة سلسلة من الأحداث التي تمتد من الاقتصاد إلى الوضع السياسي. ومن المرجح أن تشهد العملة المزيد من التقلبات في الشهور القادمة. 
غير أن الحكومة التركية تغرق نفسها في مزيد من نظريات المؤامرة لتفسير هبوط الليرة.
قبل بضعة أيام فقط، سخر وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق ممن يحتفظون بالعملة الصعبة للتحوط من التضخم الذي يبلغ حوالي 20 بالمئة، وزعم أن الليرة سترتفع وأن من اشتروا الدولار سيخسرون لعدم ثقتهم في الحكومة. في غضون أسبوع، بدأت الليرة في الانخفاض بشكل حاد مرة أخرى.
وأصيب المستثمرون بالصدمة بسبب أنباء في مطلع الأسبوع عن أن الهيئة المنظمة للقطاع المصرفي ومجلس أسواق المال قد فتحا تحقيقات منفصلة بشأن بنك الاستثمار الأميركي جيه.بي مورجان. وبغض النظر عما إذا كانت التحقيقات ستسفر عن عقوبة رسمية أم لا، فهي في حد ذاتها شديدة الخطورة. ومن المرجح أن تؤدي التحقيقات إلى زيادة الإقبال على بيع الليرة، نظرا لأن الاتهامات للبنك بأنه تلاعب بشكل ما بالسوق تستند إلى تقرير دوري بشأن الاقتصاد الكلي يتضمن توصية ببيع الليرة توقعا لشرائها لاحقا بسعر أقل. واستند جيه.بي مورجان في توصيته إلى عدة عوامل سياسية واقتصادية.
ويعكس سلوك السلطات التركية إلى أي مدى باتت الحكومة منفصلة عن الحقائق الاقتصادية قبل الانتخابات المحلية التي تشهدها البلاد يوم الأحد والتي قد يفقد فيها حزب العدالة والتنمية الحاكم السيطرة على عدة مدن، ربما تشمل العاصمة أنقرة. 
وبالنظر إلى ما هو أبعد من انتخابات 31 من مارس، توجد أسباب منطقية وملموسة لاستمرار الهبوط الحاد لليرة وذلك برغم الدعم القادم من سياسة مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) الأكثر ميلا لتشديد السياسة النقدية.
وبدأ أثر إصرار تركيا على شراء منظومة إس-400 الروسية للدفاع الصاروخي، وهو ما يتعارض مع سياسة حلف شمال الأطلسي، ينعكس على الأسواق المالية بهدوء خلال الأسبوعين الماضيين. وتدفع تصريحات لمسؤولين أميركيين وأتراك كبار المستثمرين والعامة في تركيا إلى الاعتقاد بأن هناك احتمالا بعودة فرض العقوبات الأميركية على تركيا. 
واستقبلت واشنطن بشكل سيّئ رد فعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن هضبة الجولان الأسبوع الماضي، وذلك في ضوء توتر العلاقات بالفعل بين الولايات المتحدة وتركيا. وزادت المعنويات السلبية بسبب النبرة الحزبية لأردوغان. 
كانت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة في أغسطس الماضي بسبب احتجاز تركيا لقس أميركي نقطة تحول بالنسبة لليرة. ففي غضون أسبوعين، هبطت الليرة إلى سبعة مقابل الدولار من حوالي 4.7 ليرة، فيما أحدث صدمات في أرجاء الاقتصاد. والتوترات المشابهة التي بدأت تظهر الآن تدفع المستثمرين بالطبع إلى الابتعاد عن تركيا. والمستثمرون الأجانب أكثر ميلا لبيع الليرة، بينما يزيد المحليون حيازاتهم من العملة الصعبة خشية تكرار انهيار العملة الذي حدث في العام الماضي.
وقرر البنك المركزي يوم الجمعة وقف العمل بالأداة الرئيسية التي يستخدمها للتمويل بالليرة بهدف إيجاد طلب على الليرة. كان البنك في السابق يطرح اتفاقات إعادة شراء قياسية لأجل أسبوع في مزادات أسبوعية بسعر 24 بالمئة. واتخذ البنك القرار بعدما أظهرت بيانات انخفاض احتياطياته النقدية الأجنبية الصافية 6.3 مليار دولار إلى 28.5 مليار خلال أسبوعين فقط. غير أن الإجراء فشل في وقف هبوط الليرة. وفي واقع الأمر، فإن تفسيرات البنك المركزي غير الكافية لمستوى احتياطياته زادت القلق بالسوق.
ويتفاقم القلق في الأسواق أيضا بسبب طريقة الحكومة التي تزداد غموضا في إدارة الاقتصاد، ويشمل ذلك توجيهها على ما يبدو لأنشطة مؤسسات تابعة للدولة يفترض أن تكون مستقلة مثل الهيئة المنظمة للقطاع المصرفي ومجلس أسواق المال. وكذلك السيطرة التي تمارسها الحكومة على سياسات الإقراض الخاصة بالبنوك التي تديرها الدولة. يؤجج هذا السلوك أيضا المخاوف من أن يخفض البنك المركزي سعر الفائدة قبل الأوان تحت ضغط سياسي بعد الانتخابات، برغم بياناته المتحفظة بشأن التضخم.
وهناك أيضا أسباب اقتصادية قوية تدعم انخفاض الليرة. فالمشكلة الرئيسية للاقتصاد هي الديون بالعملة الصعبة على الشركات والقطاع المصرفي. وهذا يواصل تحفيز الطلب على العملة الصعبة.
حتى يناير، بلغ الدين الخارجي قصير الأجل لتركيا 118 مليار دولار، بزيادة 1.5 في المئة مقارنة مع نهاية 2018. وزاد دين البنوك الخارجي قصير الأجل 1.4 بالمئة إلى 57.7 مليار دولار، بينما ارتفع الدين الخارجي قصير الأجل للقطاعات الأخرى بنسبة 1.7 في المئة إلى 54.4 مليار دولار. وزاد دين القطاع العام قصير الأجل 8.7 بالمئة إلى 24.4 مليار دولار بعدما زادت الحكومة الاقتراض من الأسواق الدولية في بداية هذا العام للمساعدة في كبح أسعار الفائدة المحلية.

رسم توضيحي

وفي ظل التزامات الديون الهائلة تلك، التي تعادل حوالي 20 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد وتستحق السداد خلال الاثني عشر شهرا القادمة، وفي ظل عجز ميزان المعاملات الجارية الذي يتم تمويله من تدفقات رأسمالية من مصادر غير معلومة، فينبغي ألا يكون تراجع الليرة مفاجئا لأحد. وينطبق هذا بوجه خاص على الحكومة، التي جعلت نمو الناتج المحلي الإجمالي لتركيا خلال العقد الماضي قائما على الاقتراض الخارجي الرخيص. وكان لابد وأن يرتفع سعر القروض عندما انتهت أيام التمويل الرخيص، التي نتجت عن سياسات التيسير النقدي لمجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي ومن بعده البنك المركزي الأوروبي. وهذا بالضبط ما كان يحدث منذ مايو 2013، وهي ظاهرة تسارعت وتيرتها بين ديسمبر 2015 ويناير الماضي. 
وهكذا، فإن الزعم بأن الاقتصاد التركي يتعرض لهجوم من خلال بيع الليرة ما هو إلا كلام عديم الفائدة، وكذلك قول الحكومة إن سبب مصاعب البلاد الاقتصادية هو تآمر الأعداء الأجانب على الحزب الحاكم. فالحقائق الاقتصادية تقدم الرواية الحقيقية. يوجد نقص في التمويل الخارجي، وهناك حاجة إلى إدارة اقتصادية تتسم بالعقلانية والشفافية. ومن المنتظر أن يتباطأ نمو الاقتصاد التركي في السنوات القادمة ما لم تتغير الأمور. وكلما طال الوقت اللازم لأن تستوعب حكومة حزب العدالة والتنمية تلك الحقائق وتتصرف بناء عليها، حدث ما هو أسوأ. 

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.