القادم أسوأ .. الاقتصاد التركي يدخل سنة صعبة

تدخل تركيا سنة 2021 بعبء تضخم بنسبة 15 في المئة على أساس سنوي، وفقا للبيانات الرسمية. لكن نتائج استطلاع حديث أجرته شركة الأبحاث ميتروبول تكشف أن 80 في المئة من الناخبين الأتراك لا يعتقدون أن البيانات دقيقة.

ففي الواقع، يعتقد 51 في المئة أن التضخم الحقيقي في تركيا يبلغ حوالي 30 في المئة.

يعني مستوى التضخم والارتفاعات المتصورة في الأسعار أن جهود محافظ البنك المركزي الجديد ناجي إقبال لعكس أخطاء السياسة الرئيسية التي ارتكبها فريق صناعة سياسات الاقتصاد التركي لم تكن كافية لاستعادة ثقة الجمهور.

ويعتقد الشعب التركي أن أسعار الفائدة، التي رفعها محافظ البنك إلى 17 في المئة، ليست كافية لتحمل مخاطر الاحتفاظ بالليرة وزاد توجههم إلى العملات الأجنبية.

كما أظهرت بيانات البنك المركزي المنشورة في 25 ديسمبر أن ودائع الأتراك بالعملة الأجنبية سجلت رقما قياسيا لمدة 10 أسابيع متتالية، لتصل إلى 234.8 مليار دولار. ويبدو أن السكان استغلّوا ارتفاع قيمة الليرة في ديسمبر كفرصة لزيادة حيازاتهم للعملات الأجنبية بدلا من تقليلها.

وفي نفس الوقت، وبعد رفع البنك المركزي لسعر الفائدة للمرة الثانية خلال الشهر الماضي، زادت تدفقات رأس المال قصيرة الأجل إلى تركيا، المعروفة باسم "الأموال الساخنة"، مما عزز احتياطيات البنك المركزي من النقد الأجنبي.

وأدى انخفاض مؤشر الدولار في الأسواق العالمية وإجبار تركيا على تقديم أسعار فائدة إيجابية للمستثمرين إلى جعل البلاد وجهة جذابة للتدفقات الأجنبية قبل عطلة عيد الميلاد الطويلة.

لكن، لن يكون من السهل على البنك المركزي زيادة احتياطياته من العملات الأجنبية إذا لم تتغير تفضيلات أصحاب الودائع المحليين من العملة الأجنبية إلى الليرة. ويُذكر أن احتياطات البنك المركزي من النقد الأجنبي تراجعت إلى سالب 50 مليار دولار.

FX deposits of Turkish residents

يمكن رؤية سرعة الدولرة في تركيا، التي تلت أزمة العملة في 2018 والتي استمرت بقوة بعد فترة هدوء منذ أول صدمة اندلعت بسبب الأزمة الصحية العالمية في مارس في الرسم البياني المصاحب.

وحتى يمكننا استنتاج استعادة صانعي السياسة النقدية للمصداقية في نظر المستثمرين، بالإضافة إلى قدرتهم على عكس التراجع الأخير في الليرة، يجب أن يعود ما لا يقل عن نصف الزيادة البالغة 60 مليار دولار في ودائع السكان المحليين بالعملات الأجنبية في العامين الماضيين إلى الليرة، حتى يتمهد الطريق نحو زيادة مماثلة في احتياطيات البنك المركزي من النقد الأجنبي.

لكن عدم ثقة المحليين في الليرة لا يرجع إلى سياسة البنك المركزي النقدية فقط. إذ أن هذه النزعة متجذرة في الحكم العام في تركيا، بتداعياته على الاقتصاد.

ولطالما بنى فريق الإدارة الاقتصادية قراراته اليومية على اعتبارات قصيرة المدى وافتقر إلى الرؤية البعيدة.

وبعد تفشي فيروس كورونا المستجد، ركّزت السلطات السياسية على السياسات التي تقسم المجتمع، متجاهلة الإصلاحات المطلوبة التي من شأنها أن تخلق مكاسب في الإنتاجية وتحسينات في نظام التعليم.

وبالتالي، من المحتمل أن يضطر البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة بمقدار 100-150 نقطة أساس أخرى في اجتماعه في يناير. وإذا استمر الأتراك في إضافة ودائعهم بالعملات الأجنبية بسبب التصور العام بأن التضخم يحوم حول 30 في المئة، فقد يضطر البنك إلى زيادة أسعار الفائدة أكثر.

وسيتعين عليه الالتزام بسياسة أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعا نظرا للعجز المؤسسي الذي خلقته الإدارة التي تفشل الآن في معالجة مشاكل الاقتصاد.

ويكمن الخطر في أنه مع اقتراب الانتخابات، التي من المقرر إجراؤها في 2023، قد يقرر أردوغان تعيين محافظ آخر للبنك المركزي في مرحلة ما ليكون مكلّفا بخفض أسعار الفائدة، بمجرد أن يُمنح إقبال "وقتا معقولا" لتحقيق استقرار الاقتصاد، مما سيعكس كل عمله الجيد.

كانت تركيا واحدة من الدول القليلة حول العالم التي حققت نموا اقتصاديا إيجابيا في 2020 بفضل سياسة إبقاء أسعار الفائدة أقل من التضخم وتحفيز طفرة في الائتمان. ولا يمكن تكرار الحافز، الذي صُمّم خلال الربعين الثاني والثالث من السنة الماضية لتأمين توسع اقتصادي مثمر في 2021.

استمرت فقاعة الائتمان، التي خُلقت من الإقراض الرخيص من البنوك الحكومية، في دعم النمو الاقتصادي حتى الأسابيع الأخيرة من السنة المنقضية. ومع ذلك، وفي 2021، ستجتمع أسعار الفائدة المرتفعة مع سر يعرفه الجميع بالفعل (تصل المستويات الحقيقية للقروض المتعثرة في النظام المصرفي إلى حوالي 20 في المئة من إجمالي الإقراض) لعكس الطفرة في الائتمان.

كما وصلت الحكومة، التي اختارت تجاوز الانكماش الاقتصادي الناتج عن الجائحة بتحفيز الإقراض بدلا من منح دعم مالي المباشر للأسر، إلى طريق مسدود من حيث التضخم والقيود على الميزانية.

Turkey loan growth banks

وقد شهدت سنة 2020 انهيار صناعة السياحة وعائداتها الحيوية من العملات الأجنبية. كما كان عجز الحساب الجاري من الآثار الجانبية المهمة الأخرى للنمو الاقتصادي الذي تحقق من خلال المبالغة في تحفيز الاستهلاك من خلال طفرة الائتمان.

وبلغت الفجوة في الحساب الجاري 4.5 في المئة من الناتج الاقتصادي العام الماضي ولم يتلق تمويلا من السياحة أو القطاع الخاص أو الاقتراض الخارجي أو عن طريق زيادة الاستثمارات المباشرة. بل حدث العكس تماما.

ففي حين انخفضت الاستثمارات المباشرة إلى ما يقرب من الصفر وهربت الأموال الساخنة من البلاد، استمر القطاع الخاص في سداد الديون الخارجية بدلا من طلب المزيد. وبقيت احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية وتدفقات النقد الأجنبي من أصول غير معروفة في الخارج المصدر الرئيسي لتمويل عجز الحساب الجاري المتزايد، مما زاد من الضغط على الليرة.

ومع تباطؤ النمو الاقتصادي في 2021، سيتقلص عجز الحساب الجاري.  ويجب على تركيا سداد أكثر من 160 مليار دولار من الديون بالعملة الأجنبية مع مبلغ 21 مليار دولار من الديون المستحقة للبنك المركزي، مما يعني أن القطاع الخاص سيواصل العمل على سداد مستحقاته.

ومع عجز ميزانية تركيا عند 6 في المئة من الناتج الاقتصادي، لن يكون القطاع العام قادرا على خلق زخم نمو اقتصادي.

وبالنسبة إلى التضخم، يجب أن تظل أسعار الفائدة مرتفعة لفترة طويلة نظرا إلى أن الزيادات السنوية في الأسعار تقف عند نسبة رسمية تبلغ 15 في المئة.

وفي العام التاسع عشر لسلطة حكومة حزب العدالة والتنمية، تجد أن السكان المحليين لا يصدقون قصة الإصلاح الاقتصادي ولا يعودون إلى الليرة مرة أخرى مقارنة بالطلب على الدولار.

 ورغم أن الاستثمارات الأخيرة في تركيا بعد رفع أسعار الفائدة تبدو مشجعة، تحتاج السياسات المتّبعة تركيا إلى إعادة تنسيق كاملة لتحقيق نمو ملموس في الناتج المحلي الإجمالي.

ستكون أسعار الفائدة المرتفعة والطلب المتزايد على العملات الأجنبية والعرض المنخفض للأموال الخارجية من العوامل الأساسية التي تحد من النمو في الاقتصاد التركي في 2021. وستجعل أخطاء السياسة المرتكَبة خلال السنتين والنصف الماضيتين من 2021 عاما صعبا للاقتصاد التركي. وستدفع البلاد ثمن الاختلالات الرئيسية في الاقتصاد الكلي التي رأيناها في 2020 و2019 و2018، والناجمة عن طموحات النمو الاقتصادي الحكومية، في 2021.

وبفضل عدد سكانها الكبير، لا يزال بإمكان تركيا تحقيق نمو بنسبة 3 في المئة تقريبا في 2021. ومع ذلك، يعني النمو بهذه النسبة ارتفاعا في معدلات البطالة والقروض المعدومة بالإضافة إلى الجروح الهيكلية الناجمة عن أزمة فيروس كورونا الاقتصادية بنسب لا يمكن عكسها.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-lira/2021-very-rough-year-turkish-economy
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.