شعبية أردوغان تتآكل بعد حملة التطهير التي أعقبت الانقلاب الفاشل

كشف بحث جديد حول آثار حملة التطهير التي شنتها الحكومة التركية في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة في العام 2016 عن أن موظفي القطاع العام الذين فُصلوا بموجب مرسوم حكومي إبان حالة الطوارئ التي استمرت عامين باتوا يعرضون عن التصويت لصالح الحزب الحاكم وحليفه المنتمي إلى اليمين المتطرف.

وشمل استطلاع الرأي الجديد 3222 شخصا سئلوا فيه عن الأحزاب التي صوتوا لصالحها في الجولات الانتخابية التي أجريت قبل الانقلاب الفاشل. وأظهرت النتائج أن 76 في المئة من الذين فقدوا وظائفهم كانوا قد أيدوا حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في عدة انتخابات مختلفة قبل محاولة الانقلاب الفاشلة. وصوت 36 في المئة آخرون لصالح حزب الحركة القومية اليميني المتطرف، الذي شكل تحالفا مع إسلاميي أردوغان عقب محاولة الانقلاب. ولم يفكر سوى خمسة في المئة في التصويت لصالح حزب الشعب الجمهوري العلماني، حزب المعارضة الرئيسي في البلاد، و0.3 في المئة لحزب الشعوب الديمقراطي الذي يهمين عليه الأكراد.

ويبدو أن اختيارات التصويت لهذه المجموعة المحافظة في معظمها قد تغيرت اليوم تغييرا كاملا. فمن بين هؤلاء، بلغت نسبة أولئك الذين قالوا إنهم قد يصوتون لصالح حزب الشعب الجمهوري 77 في المئة، بينما قال 38 في المئة من المشاركين في الاستطلاع إنهم قد يفكرون في التصويت لصالح حزب الشعوب الديمقراطي. وثمة نحو 20 في المئة منفتحون على دعم الحزب الصالح القومي، الذي أسسه سياسيون تركوا حزب الحركة القومية بسبب تحالفه مع حزب العدالة والتنمية، في حين قال 12 في المئة إنهم قد يؤيدون حزب السعادة الإسلامي المعارض.

وقد أظهرت الدراسة أن أيا من المشاركين في الاستطلاع لم يعد الآن مستعدا لتأييد أردوغان وحزب العدالة والتنمية.

جرى فصل ما يربو على 130 ألف موظف بالقطاع العام في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في الخامس عشر من شهر يوليو في العام 2016. واتُهم معظم المفصولين بأنهم على صلة بحركة غولن، التي تحملها الحكومة مسؤولية الانقلاب، لكن بعضهم شارك أيضا في جماعات معارضة أو منظمات يسارية.

ويقول تقرير الدراسة الجديدة: "بسبب الأساليب غير المشروعة وغير العادلة التي مورست، هناك تحول من الأحزاب المحافظة اليمينية إلى الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية التي تعطي الأولوية للديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات والعدالة وسيادة القانون".

وتحدث التقرير عن المفصولين في أعقاب محاولة الانقلاب، قائلا: "الكثيرون منهم يصوتون تصويتا استراتيجيا". وأضاف: "من الممكن أن يصوتوا لصالح جميع الأحزاب الأخرى فيما عدا حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية. ويصوتون على وجه الخصوص لصالح أحزاب المعارضة التي تبدو في موقف أقوى في مواجهة مرشحي حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية (في دوائرهم الانتخابية)".

ويبدو أن عمر فاروق جرجيرلي أوغلو، النائب في البرلمان عن حزب الشعوب الديمقراطي والناشط القديم في مجال حقوق الإنسان ذو الخلفية المحافظة، هو العامل الرئيسي الذي شجع المشاركين في الاستطلاع على دعم الحزب المؤيد للأكراد الذي كانوا يعارضونه بشدة في الماضي.

فلقد أخذ جرجيرلي أوغلو على عاتقه مهمة الاستمرار في الدفاع عن أولئك الذين يسقطون ضحايا لسياسات الحكومة، بغض النظر عن خلفياتهم العرقية أو الدينية أو الأيديولوجية. ولا يكف هذا السياسي عن انتقاد الظلم الذي يواجهه ضحايا حملة التطهير التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة.

وقال بيرم أرضروملو أوغلو، وهو أستاذ جامعي تم فصله بعد الانقلاب الفاشل وأحد الباحثين الذين أجروا الدراسة، إن حزب العدالة والتنمية أحدث انقساما في قاعدة ناخبيه.

وأضاف بيرم أرضروملو أوغلو: "بين الناخبين في هذه القاعدة من لم يؤيدوا خطاب الحزب تأييدا كاملا، والذين انتقدوا سياسات حزب العدالة والتنمية من وقت لآخر.. كانت هذه جريمة كبيرة بالنسبة لحزب العدالة والتنمية. فكيف تكون عضوا في معسكر المحافظين وتجرؤ على الانتقاد".

أشار أرضروملو أوغلو إلى أن حزب العدالة والتنمية لا يأبه بالتعليقات الانتقادية التي تصدر من حزب الشعب الجمهوري أو حزب الشعوب الديمقراطي، كونها لا تؤثر تأثيرا يذكر على مؤيديه. وأضاف: "لكن حين يأتي الانتقاد من قاعدتهم، فإنهم يعتبرونه خطيرا. ومن ثم، حولوا أزمة الخامس عشر من يوليو إلى فرصة لإرسال إشارة إلى الجماعات الدينية القومية مفادها ‘سنقضي عليكم إذا تجرأتم على انتقاد خطابنا‘".

يقول الباحث إن الحكومة خلقت أجواء من الخوف بتهديدها للقضاة والعاملين بالجهاز الإداري والأكاديميين بأن حياتهم يمكن أن تنقلب فجأة رأسا على عقب بمرسوم حكومي واحد.

وذكر أرضروملو أوغلو أن ضحايا حالة الطوارئ كانت لديهم فيما مضى صورة مشوهة عن حزب الشعب الجمهوري. وأضاف: "كانوا يربطون بين حزب الشعب الجمهوري وبين القمع ومعارضة الحريات وكراهية الدين".

وتابع: "في الوقت نفسه، كانوا ينظرون إلى حزب الشعوب الديمقراطي من منظور الإرهاب. من الواضح أن الناخبين القوميين المحافظين كان يتجنبون حتى السير أمام مقار حزب الشعوب الديمقراطي، فما بالك بالتصويت لصالحهم. كانوا يعتبرون من صوتوا لصالح الحزب بمثابة أعداء".

غير أن كل هذه الآراء تغيرت بعدما ذاق أولئك الذين فُصلوا بمراسيم حكومية الظلم بأنفسهم. وتشير التقديرات إلى أن ما يقرب من مليوني شخص تأثروا بشكل مباشر بحملة التطهير التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة، بمن في ذلك أسر المفصولين من وظائف القطاع العام.

يقول أرضروملو أوغلو: "عندما شهدوا هذه المعاملة القاسية من معسكرهم، أخذوا يبحثون عن قنوات أخرى تعترف بالظلم الذي واجهوه. وقد فوجئوا بأن العلمانيين والديمقراطيين الاجتماعيين والملحدين والربوبيين والأكراد والعلويين يتضامنون معهم".

نتيجة لذلك، فإن هؤلاء الناس الذين كانوا منذ فترة قصيرة يعتبرون التصويت لصالح حزب الشعب الجمهوري تجديفا وكفرا وينظرون إلى التصويت لصالح حزب الشعوب الديمقراطي على أنه ضرب من النزعة الانفصالية أدركوا أن تلك الأحزاب ليست بالمنظمات التي كانوا يتصورونها ذات يوم، بحسب ما ذكره الأستاذ الجامعي.

وأضاف أرضروملو أوغلو: "الآن، يقول الضحايا أيضا إنهم باتوا يفهمون الأكراد والعلويين والأرمن بشكل أفضل. ويعترفون بأن تلك الفئات قد واجهت ظلما وجورا في الماضي".

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة رأي "أحوال تركية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/turkish-politics/erdogans-post-coup-purge-erodes-his-voter-base