السياسة الخارجية التركية في 2018: بيدق وقلعة ووزير

كان 2018 عاماً للسياسة الخارجية التركية حيث كانت الفجوة المتزايدة تدريجياً بين قدرة السلطة في تركيا وأهدافها السياسية مليئة بالمخاطر الاقتصادية والأمنية الشديدة، وقد تم تعديل المصالح المعلنة وفقاً للسياسة الداخلية وكان ذلك سريعاً جداً ومتعرجاً ومليئاً بالرؤية الملتبسة وغير المكتملة.
لقد دخلت تركيا في دوامة سلطوية مبتذلة أدت إلى كافة أقصى أنواع الاستقطاب الاجتماعي. لقد خسرت طريق العدالة وكل مصدر الإلهام للعثور عليه مرة أخرى. لقد تم دفن فكرة وشعور الحرية وهي على قيد الحياة. وانجرفت تركيا بعيداً عن التعددية والمساواة والمشاركة وأجبرت مفكريها على مغادرة البلاد. لقد أعطت قلبها رهناً لسياسي وحش متكبر، وهي تتأرجح جنباً إلى جنب في منطقة الشفق عندما يتعلق الأمر بالسلطة والسياسة والرياضة والإعلام والفن. لقد كانت تركيا في خلاف مع نفسها أكثر من أي شخص آخر، وتبدو وكأنها دولة مضطربة كل إعداداتها غير منضبطة. بالطبع، هذه الصورة الكاملة تتسبب في أن ترتكب السياسة الخارجية أخطاء في انعكاس للاضطرابات الداخلية.

مخاطر القفز من سوريا إلى تركيا

يواجه الجيش التركي تهديداً جهادياً مباشراً في سوريا حيث يمتنع الجميع عن المواجهة. امتدت سياسة "استيعاب الجهاديين" التي تنتهجها تركيا بعد اتفاق إدلب في مدينة سوتشي الروسية في سبتمبر 2018 إلى عام 2019. في سوتشي، اتفق الجانبان على إنشاء منطقة منزوعة السلاح، والتي تُحظر فيها صراحة أعمال العدوان، في محافظة إدلب السورية. وبموجب شروط الاتفاق، ستبقى جماعات المعارضة المسلحة في إدلب في المناطق التي تتمركز فيها بالفعل، في حين ستقوم روسيا وتركيا بعمل دوريات مشتركة في المنطقة لمنع استئناف القتال. لا تزال هذه واحدة من أهم النقاط في العلاقات الثنائية بين روسيا وتركيا.
تمثل القضية الكردية في المنطقة التي تضع تركيا في مرمى النار من خلال التطورات في سوريا إمكانية أخرى متزايدة. ومع "الضوء الأخضر" الذي حصلت عليه تركيا من روسيا من خلال الاستفادة من القدرة على المناورات التي اكتسبتها من التنافس بين واشنطن وموسكو، شنت أنقرة عمليات عسكرية في عفرين في بداية عام 2018. ولكن بعيداً عن القضاء على حزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه المسلح، وحدات حماية الشعب الكردية، التي تعتبرها تركيا منظمات إرهابية، عمقت أنقرة المشكلة التاريخية.
في 19 ديسمبر، أعلن البيت الأبيض أن القوات الأميركية في شمال شرق سوريا ستنسحب من المنطقة بعدما تم إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وبعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب، تصر تركيا الآن على عمليات عسكرية جديدة في منبج السورية وشرق نهر الفرات تحت اسم القضاء على تنظيم داعش، ويتمثل الغرض من هذه العمليات في الواقع في مهاجمة حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية السورية.
ليس سراً أن يكون لحزب الاتحاد الديمقراطي ولوحدات حماية الشعب الكردية علاقات وثيقة مع منظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابية، التي تخوض تمرداً في تركيا منذ عقود. من الواضح أيضاً أن هذه العلاقة تعرض أمن تركيا القومي للخطر. ومع ذلك، لا يمكن حل هذه المسألة بتجاهل القضية الكردية في تركيا والبلدان المجاورة، وكذلك تجاهل العلاقة بين القضية الكردية وتخلف الديمقراطية والقانون ومؤسسات حقوق الإنسان في المنطقة بأسرها. لا يمكن حل القضية من خلال العمليات العسكرية في ظل تجاهل المطالبات بالحقوق الأساسية المتعلقة بالهوية والثقافة. إن الاعتماد على العمليات العسكرية كحل لا يعني فقط أنك تقوم بخداع نفسك، وإنما هو أيضاً اختصار لترك المنطقة مدفونة تحت انهيار جليدي.

انفصال الطرق قريباً

إن "سياسة التوازن"، التي تحاول تركيا اتباعها بين الولايات المتحدة وروسيا، لا تفلح إلا عندما تكون أنقرة مستعدة لتقديم تنازلات، وتعكس السياسة الخارجية التركية المحاصرة لأن كل خيار له تكلفة.
كانت قضية القس الأميركي أندرو برانسون مثالاً واضحاً على تحول تركيا إلى سياسة "خطوة واحدة إلى الأمام وخطوتين إلى الوراء" عندما تكون يائسة. من وجهة نظر روسيا، تمثل تراخيص أنقرة المجانية لمشروع خط أنابيب تركستريم الذي تدفع فيه روسيا نفقات البناء فحسب بينما تقع كل الأعباء المالية على عاتق تركيا، وتعهد أنقرة بالالتزام المالي في مشروع محطة أكوكيو للطاقة النووية، والإبقاء على الجهاديين الذين تم نقلهم من مناطق مثل الغوطة الشرقية والسويداء والقنيطرة وحمص إلى إدلب تحت السيطرة بعض التنازلات المقدمة إلى الكرملين.
قرار انسحاب الولايات المتحدة سيضفي الشرعية على بشار الأسد على الساحة الدولية، سواء قررت واشنطن مغادرة البلاد بالكامل أم خفضت فحسب تأثيرها السياسي والعسكري في المنطقة.
يمكن التنبؤ بأن موسكو تريد ملء الفراغ الذي قد يحدث عندما تنسحب الولايات المتحدة من سوريا مع نظام الأسد. لكن إمكانية تعارض خطط الكرملين مع نوايا البيت الأبيض لا يمكن إغفالها.
قد لا تعترض موسكو على وجود الجيش التركي في شرق الفرات إذا وافقت تركيا على عدم التوغل في العمق والبقاء على مقربة من الخط الحدودي. بالطبع، قد يحدث هذا بشرط انسحاب تركيا من سوريا عندما يحين الوقت. ومع ذلك، فإن هذا هو بيت القصيد: إلى أي مدى يمكن أن تتحمل موسكو الاتفاق بين واشنطن وأنقرة. إذا سلمت الولايات المتحدة مواقعها العسكرية في سوريا إلى الجيش التركي، فقد تتعاون موسكو مع حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية السورية كأداة ضغط على تركيا التي بسطت سيطرتها بالفعل على مساحة غير متوقعة من الأراضي في سوريا. من المحتمل أن يعترض الكرملين على قيام واشنطن وأنقرة بتناول "الوجبة السورية" التي قامت بطهيها موسكو وأنقرة وطهران في أستانا. (اتفقت روسيا وإيران وتركيا على إقامة مناطق خفض تصعيد في إدلب ومناطق من محافظات حلب واللاذقية وحماة خلال محادثات السلام في أستانا عاصمة كازاخستان التي انتهت في سبتمبر عام 2017).
إذا سارت الأمور أيضاً في الاتجاه المعاكس، فإن تهديد الجهاديين على أمن تركيا في إدلب قد يتحول إلى هاتاي، وهي مقاطعة تركية جنوبية متاخمة لسوريا، من خلال هجوم للنظام السوري بإذن من طهران وموسكو. بالطبع، يجب أن نضيف طموحات الأسد للانتقام من أنقرة، إذ أنه يلقي باللوم على القيادة السياسية التركية في أنها كانت الدافع الأساسي للحرب الأهلية السورية. من المتوقع أن الأسد، الذي بدأ في تعزيز شرعيته مرة أخرى، يتوق إلى أن تفقد أنقرة شرعيتها على الساحة الدولية باعتبارها "قوة احتلال" في سوريا من خلال الوصول إلى طريق مسدود في علاقاتها مع الولايات المتحدة وروسيا.
لذلك، يتعين على أنقرة أن تتفق مع واشنطن وأن تنسق مع موسكو في عملياتها المحتملة في منبج وفي شرق الفرات، كما يجب أن تكون قادرة على "الرقص" بين واشنطن وموسكو أثناء العمليات العسكرية وبعدها. لكن هذه الخطة تكاد تكون مستحيلة في المدى المتوسط عندما يتم النظر في قضايا لا تزال قائمة من عام 2018 مثل معضلة نظام إس-400 الدفاعي الصاروخي الروسي وصواريخ باتريوت الأميركية وقضايا رضا ضراب الجديدة ولغز مايكل فلين والعقوبات المفروضة على إيران والأزمة الاقتصادية في تركيا.
أما رضا ضراب، وهو تاجر ذهب إيراني تركي واجه اتهامات بالتهرب من العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على إيران بمساعدة مسؤولين أتراك، فقد أقر بأنه مذنب في سبع تهم في الولايات المتحدة. ويبدو أن إقرار ضراب بالذنب يؤكد أن تركيا عملت عمداً على تقويض العقوبات المفروضة على إيران وساعدت البرنامج النووي الإيراني، الأمر الذي أدى إلى تسارع التوتر بين البلدين الحليفين في حلف شمال الأطلسي (الناتو). كما يثير مايكل فلين، مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، قلقاً آخر لتركيا، إذ أنه يخضع للتحقيق أمام ممثلي الادعاء في الولايات المتحدة بسبب ممارسة الضغط غير القانوني لصالح تركيا بتوجيه من رجل الأعمال التركي إيكيم ألبتكين، وهو مرتبط بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
بالإضافة إلى ذلك، لا تزال قائمة المهام التي يتعين على تركيا القيام بها تشمل اتخاذ قرار في إدلب قبل أن تتحول إلى طريق مسدود وضمان أن تدير الولايات المتحدة ظهرها لحزب الاتحاد الديمقراطي ولوحدات حماية الشعب الكردية والحد من علاقة روسيا بالأكراد السوريين وتجنب أي موقف يجعل وجود الجيش التركي في سوريا موضع شك ومنع أي مناقشات بشأن الحكم الذاتي بين دمشق وحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية وإبقاء خطط الأسد للانتقام والتأثير الإيراني تحت السيطرة.
في النهاية، السؤال الملح هو لماذا تريد تركيا إرسال الجيش التركي إلى الخطوط الأمامية تحت اسم القضاء على حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية بدلاً من إيجاد طريقة للحوار المباشر مع دمشق. على السطح، وافقت تركيا على وحدة أراضي سوريا خلال محادثات السلام في أستانا، لذا فإن كل الأراضي التي تسيطر عليها تركيا ستتم إعادتها إلى الأسد في نهاية المطاف. وقد باتت في النهاية اللجنة الدستورية الجديدة في سوريا الآن في مرحلة التشكيل، بمتابعة انعقاد مؤتمر سوتشي في أوائل عام 2018، لذلك من الواضح أن الطريق إلى الفوز دبلوماسياً على طاولة المفاوضات ليس بالإصرار على إرهاق نفسها بعمليات عسكرية جديدة.
تتمثل إحدى الحقائق التي لا تريد أنقرة رؤيتها أو سماعها أو الحديث عنها في موقف روسيا المهيمن بشدة في المنطقة بعد ضم شبه جزيرة القرم، مما أدى إلى زيادة هائلة في الوجود العسكري الروسي في البحر الأسود والسيطرة الكاملة على بحر آزوف. بطبيعة الحال، من المستحيل على أنقرة تغيير هذا الاختلال في القوة في ظل الظروف الحالية. من ناحية أخرى، من غير المفهوم أن تحاول تركيا العمل على "تمكين" طموحات روسيا في الشرق الأوسط من خلال تجارة الأسلحة والغاز والنفط في حين تتابع التطورات في منطقة البحر الأسود.

تاجر جملة في الشرق الأوسط وتاجر تجزئة في أوروبا

كان القتل الوحشي للصحفي السعودي جمال خاشقجي واحداً من التطورات الهامة التي تسببت في الاضطرابات في سياسات الشرق الأوسط والتي كانت أيضاً مؤشراً على أن تركيا واحدة من العناوين الرئيسة للصراعات الداخلية الشرسة في المنطقة. كما أن القضية عززت أيدي المسؤولين الأتراك سياسياً في المفاوضات مع واشنطن وخلقت إمكانية للتقارب بين الرياض وموسكو. من الصعب تخمين كيف يمكن أن يؤثر هذا الوضع على تعاون تركيا والرياض في السياسة المتعلقة بسوريا. ولكن عندما يتم النظر في العلاقات الدبلوماسية المتزايدة بين الدول الخليجية والعربية الأساسية مع دمشق، يمكن القول إن مقتل خاشقجي قد يؤدي إلى تسارع الشقاق بين الرياض وأنقرة.
من ناحية أخرى، في عام 2018، قامت تركيا، التي ألغت طلب العضوية في الاتحاد الأوروبي، بتقييد علاقتها مع الاتحاد الأوروبي إلى إطار العلاقات الثنائية والمعاملات. وواصلت مهمتها في أن تصبح منطقة عازلة للاجئي الشرق الأوسط نيابة عن الاتحاد الأوروبي. في هذه الأثناء، لم تتخل أنقرة عن الخطاب القائل بأن الاتحاد الأوروبي سينتهي في نهاية المطاف بخروج بريطانيا من التكتل، وبحركة السترات الصفراء في فرنسا، ولكن من المفارقات أنها لجأت إلى دول أوروبية من أجل حل ركودها الاقتصادي. ألمانيا وهولندا، اللتان كانتا هدفاً أساسياً لأردوغان خلال الاستفتاء على الدستور في عام 2017، ستكونان أول البلدان التي ستسعى أنقرة للحصول على المساعدة منها قبل الاستسلام لصندوق النقد الدولي. ستظل الصين مثالاً للسياسة الداخلية الصحيحة لتركيا كما كانت في عام 2018، لكن النموذج الصيني لم يتم اتباعه بسبب ضيق الأفق الذي يرى أنه من المستحيل على تركيا أن تحذو حذو الصين بسبب الافتقار إلى الموارد.
كانت 2018 في السياسة الخارجية التركية سنة مليئة بالمهام غير المكتملة مثل طالب غير ناجح يحاول تأجيل امتحاناته. عام باتت فيه نقطة ضعف البلاد أكثر تكشفاً أثناء محاولة تحقيق انتصارات بشكل غامض. إذا لم تتعلم تركيا إعطاء الأولوية للقضايا المحلية بدلاً من توسيع نفوذها في الدول الأجنبية، فلا يوجد سبب في أن يكون عام 2019 مختلفاً عن عام 2018 بالنسبة للبلاد.


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/dis-politika/turk-dis-politikasinda-2018-fil-kale-vezir
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.